الرئيسيةبحـثاليوميةمكتبة الصورس .و .جالتسجيلالأعضاءدخول

شاطر | 
 

 السعادة و الموت والإلهة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
afassan


avatar

الجنس : ذكر
العمر : 17
تاريخ التسجيل : 08/12/2010
عدد المساهمات : 14
نقاط : 32
البلد :
الهواية : غير معروف
المزاج :

مُساهمةموضوع: السعادة و الموت والإلهة   الإثنين ديسمبر 13, 2010 11:35 am



يمثل مفهوم السعادة لدي الفيلسوفين اليوناني أبيقور و العربي أبي بكر الرازي مفتاح قراءة فلسفتيهما ، فقد كان قلب الرحي الذي دارت حوله جل طروحاتهما الفلسفية .

و برأي ابيقور فان الخير و الفضيلة ( دلالة اخلاقية )لا يتنافيان مع تحقيق الرغبات (دلالة بيولوجية)، بل يفرضان ذلك فتلبية الرغبة تعد لدي فيلسوف البهجة الخير الأسمي ، و هذا يعني انه يقف في الخط المقابل لافلاطون الذي يقول في محاورة الفيدون: ان نفس الفيلسوف تزدري الجسد .

و تجد مقاربته لمفهوم السعادة في البيولوجيا مرتكزا لها باعتبار ان هذا العلم ( بالمعني الابستمي لعصره ) يمكننا من فهم طبيعة الكائن الانساني الذي لا يمكنه الشعور بالبهجة ، و من ثمة بالسعادة اذا لم تلب حاجاته البيولوجية، فالانسان من زاوية نظر أبيقور يسعي دوما الي الحفاظ علي حياته ، فلديه توق دائم للاستمرار في الوجود و اللذة هي محرك ذلك التوق . وأضفي من ثمة علي اللذة طابعا ايجابيا ، فالسلوك الخير بالمعني الاخلاقي هو الذي يطلب اللذة و يتجنب الالم.

و قد فرق أبيقور بين أصناف مختلفة من الرغبات وهي:

ـ رغبات طبيعية و ضرورية ( الماكل و المشرب المتزنان ..)

ـ رغبات طبيعية و غير ضرورية ( الماكل الباذخ …)

ـ رغبات غير طبيعية و غير ضرورية ( جمع الذهب و الاحجار الكريمة …) و هذا التصنيف نجده في رسالته الي Ménécée كما نجده في الحكم الاساسية [1] .

و الفيصل بالنسبة اليه في معرفة الرغبات التي يجب تلبيتها هو مدي تحقيقها لسلامة الجسد و راحة النفس ،لذك فان السعادة تتطلب الاكتفاء بتلبية الرغبات الطبيعية و الضرورية دون سواها ، و يربط هنا بين مفهومي السعادة و الكمال فالحياة السعيدة تبلغ كمالها من خلال المقياس المشار اليه.

و يري أبيقور انه من الصعب ان ندرك الخير اذا لم نلب لذات الذوق و البصر و السمع و الماكل و المشرب .. أي سائر الحواس و الغرائز . و قد حرص علي تمييز وجهة نظره بهذا الخصوص عن وجهات النظر الرائجة حيث ترتدي اللذة معني سلبيا ،مميزا اللذة التي يقصدها عن اللذة التي يطلبها الفساق، مشددا ان اللذة تعني لديه طمأنينة النفس و سلامة الجسد ( رسالة الي مينيساي ) فاللذة تحقق للانسان التوازن، و اذا ما انتفت و غابت كان الاضطراب علي المستوين البدني و النفسي .

و ينسَب فيلسوف البهجة مفهومي اللذة و الالم ، اذ هناك لذة و لذة ، و ألم و ألم أي ان هناك لذة يجب استبعادها، و اخري يجب الاقبال عليها ،كما ان هناك ألما يجب الاقدام عليه و آخر ينبغي توقي مخاطره ،و المحدد في ذلك هو مدي تلاؤم اللذة و الالم مع مطلب السعادة .

كما تحيلنا المقاربة الابيقورية لمفهوم السعادة أيضا الي السجل السيكولوجي فالسعادة لا يمكن الحديث عنها اذا كانت النفس تعاني الاضطراب و الهيجان، فما يحدث الاضطراب هو ضعف او شدة تلبية الرغبات التي يطلبها الجسد ،فعندما لا تتم التلبية علي نحو معتدل يكون الجسم في حالة اضطراب لا في حالة سكينة ، مما يعني ان كل خلل في تلبية اللذات ، سواء من جهة الاسراف او من جهة النقص يؤدي الي الشقاء .

و السعادة لديه مقترنة بالتحرر من الخوف باشكاله المختلفة و الذي يجد أعلي تجلياته في الخوف من الآلهة و من الموت ، فبخصوص الخوف من الآلهة نراه يعمد الي قلب معادلة الكفر و الايمان الي نقيضها حيث يتحول الكافر بالمعني الدارج الي مؤمن و المؤمن الي كافر ، يقول " ليس الكافر من يحتقر الهة الجمهور و انما الكافر من يتبني تصور الجمهور عن الالهة " ، فالجمهور الخاضع الي سلطة العادة ينظر الي الآلهة باعتبارها قوة خارقة ،تتلذذ بمعاقبة من يخرج عن تعاليمها ، بينما يري أبيقور ان الآلهة اذا جازت الخيرين خيرا و الشريرين شرا فانها لن تختلف عن الانسان نفسه ، و من ثمة ينحت تصورا آخر لآلهة تنشد الغبطة و الفرح ، و لا تعترض سبيل الناس و هم يطلبون تحقيق سعادتهم في اللذات و المتع و الرغبات .

كما تقتضي السعادة التحرر من الخوف من الموت حيث ينظم محاجته علي ذلك من خلال التأكيد انني في اللحظة التي أكون فيهاعلي قيد الحياة فان الموت غير كائن ،و عندما يكون الموت فانني غير كائن ، مما يعني ان الموت غريب بالنسبة الي ، طالما ان الوجود يقترن بالاحساس، و عندما يحضر الموت فان الاحساس يكون قد توقف تماما ، لذلك فان الموت لا يسبب لي أي ألم كان و اذا كان هناك الم فانه يحدث اثناء الحياة . و علي هذا النحو تعني السعادة التحرر من اوهامنا بخصوص الموت و الالهة و لكي تتم عملية التحرر تلك ينبغي ان نتفلسف و في ذلك يتساوي الجميع سواء كانوا شبانا او شيوخا .

و الكثير من آراء ابيقور هذه نجد صنوها لدي ابي بكر الرازي الذي أولي اهتماما خاصا لمسألة اللذة و اشار اليها في عدد من كتبه مثل كتاب الطب الروحاني و كتاب السيرة الفلسفية ، بل انه كما يذكر ابن النديم قد الف كتابا خاصا في ذلك و هو كتاب اللذة ، غير ان هذا الكتاب مفقود في اصله العربي بينما توجد بعض مختارات منه مترجمة الي اللغة الفارسية، اوردها ناصر خسرو في كتابه زاد المسافر .

و قد فرق الرازي بين اللذة و الالم معتبرا ان اللذة تعني الخلاص من الالم غير انها اذا ظلت علي حالها دون توقف أصبحت بدورها ألما يقول " ان اللذة ليست بشئ سوي الراحة من الالم و لا توجد لذة الا علي اثر ألم ، و اذا استمرت صارت ألما " [2] وبرايه هناك حالة تنعدم فيها اللذة كما ينعدم فيها الالم غير ان هذه الحالة لاتدركها الحواس .

و الملاحظ انه يرجع اللذة و الالم الي الجانب الحسي حيث يقول " ان اللذة حس مريح و أما الالم فهو حس مؤلم " [3] ، كما انه يربطهما بالحالة الطبيعية او غير الطبيعية للانسان ، فاللذة انتصار علي الالم و عودة الي الحالة الطبيعية أما الالم فهو الخروج عن الحالة الطبيعية .

و اذا كان أبيقور قد تمرد علي الهة اليونان فان الرازي يعرف بانكاره للنبوة و قد كتب في ذلك مؤلفه مخاريق الانبياء ، و تكشف لنا الفقرة التالية التي كتبها منذ قرون عن مدي عمق تشخيصه للذهنية العربية النقلية حيث ساد و لايزال مرض عضال اسمه التكفير " إن أهل الشرائع أخذوا الدين عن رؤسائهم بالتقليد ، و دفعوا النظر و البحث عن الأصول و شددوا فيه و نهوا عنه و رووا عن رؤسائهم أخبارا توجب عليهم ترك النظر ديانة ، و توجب الكفر علي من خالف الأخبار التي رووها ، من ذلك ما رووه عن أسلافهم إن الجدل في الدين و المراء فيه كفر ، و من عرض دينه للقياس لم يزل الدهر في التباس ، و لا تتفكروا في الله و تفكروا في خلقه ، و القدر سر الله فلا تخوضوا فيه ، و إياكم و التعمق ، فان من كان قبلكم هلك بالتعمق ، إن سئل أهل هذه الدعوي عن الدليل علي صحة دعواهم استطاروا غضبا ، و هدروا دم من يطالبهم بذلك ، و نهوا عن النظر ، و حرضوا علي قتل مخالفيهم ، فمن أجل ذلك اندفن الحق اشد اندفان و انكتم اشد انكتام … و إنما أتوا في هذا الباب من طول الإلف لمذهبهم و مر الأيام و العادة ، و اغترارهم بلحي التيوس المتصدرين في المجالس ، يمزقون حلوقهم بالأكاذيب و الخرافات ، و حدثنا فلان عن فلان بالزور و البهتان ، و برواياتهم الأخبار المتناقضة ، من ذلك آثار توجب خلق القرآن ، و أخري تنفي ذلك ، و أخبار في تقديم علي و أخري في تقديم غيره و آثار تنفي القدر و أخري تنفي الإجبار … " [4].

كما دعا الرازي الي التحرر من الخوف من الموت فـ " المتصور للموت الخائف منه يموت في كل تصويرة موتة ، فتجتمع عليه من تصوره له مدة طويلة موتات كثيرة ، فالأجود اذا و الاعود علي النفس التلطف و الاحتيال لاخراج هذا الغم عنها " [5]

و علي هذا النحو فان تحصيل السعادة يتطلب في نظر الفيلسوفين اعمال النظر العقلي و التحلي بالحكمة و الفضيلة ، و اعادة الاعتبار للرغبات المستبعدة قسرا بفعل التحريم المجلل بالقداسة ، و التحرر من الخوف من الموت و الآلهة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
السعادة و الموت والإلهة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: السنة الأولى باكالوريا :: منتدى دروس السنة الأولى باكالوريا-
انتقل الى: